جلال الدين السيوطي
164
الأشباه والنظائر في النحو
الثاني : أنّها للعدد مطلقا قليلا كان أو كثيرا ، وهو قول سيبويه والخليل ومن تابعهما واختاره ابن خروف . وممّن نقل ذلك عن سيبويه الأستاذ أبو بكر بن طاهر ، وذلك ظاهر من كلامه ، فإنّه قال : هذا باب ما جرى مجرى ( كم ) في الاستفهام ، وذلك قولك : « له كذا وكذا درهما » ، وهو مبهم من الأشياء بمنزلة ( كم ) ، وهو كناية للعدد ، صار ذا بمنزلة التنوين . وقال الخليل : « كأنّهم قالوا : له كالعدد درهما » « 1 » . الثالث : أنّها بمنزلة ما استعملت استعماله من الأعداد الصريحة فيقال : « له كذا دراهم » فتكون للثّلاثة فما فوقها إلى العشرة ، و « . . . . كذا كذا درهما » فتكون للأحد عشر فما فوقها إلى التسعة عشر و « . . . كذا درهما » فتكون للعشرين وأخواتها من العقود إلى التّسعين ، و « كذا وكذا درهما » ، فتكون لأحد وعشرين وما فوقها من الأعداد المتعاطفة إلى التّسعة والتّسعين ، و « كذا درهم » فيكون للمائة وللألف وما فوقهما . فإذا أقرّ مقرّ بكلام فيه ( كذا ) ألزمناه بالمتيقّن ، وهو أوّل مرتبة من المراتب المشروحة ، وحلّفناه في الباقي . وهذا قول الكوفيّين وتبعهم جماعة منهم ابن معط في ( فصوله ) « 2 » . الرابع : أنّ الأمر كما قالوا إلّا في مسألتي الإضافة فإنّهما ممتنعان لما قدّمنا من التّعليل ، فإن أردت العدد القليل أو المائة أو الألف وما فوقهما قلت : « كذا من الدّراهم » ، ويقدّر عند أهل هذا القول الفرق بين العدد القليل والمائة والألف لأنّ ( من ) إنّما تدخل على العدد المجموع المعرّف ، تقول : « عشرون من الدّراهم » ولا يجوز « عشرون من دراهم » وهذا قول المبرّد والأخفش وابن كيسان والسّيرافي . وبه قال الشّلوبين وابن عصفور والصّفّار . والذي جرّأهم على القول بذلك أبو محمّد بن السيّد ، فإنّه حكى اتفاق البصريّين والكوفيّين على ذلك ، وأنّ الخلاف إنّما هو في جواز الخفض ، نحو : كذا درهم ، وكذا دراهم . والبصريّون يمنعون والكوفيّون يجيزون . وفي كلام أبي البقاء في ( شرح الإيضاح ) ما هو أبلغ من هذا ، فإنّه قال : « وذهب معظم النحويّين وأصحاب الرّأي إلى أنّ من قال : « كذا درهما » ، لزمه عشرون درهما ، لأنّك لم تكرّر العدد ، ولم تعطف عليه ، ولم تضفه لتمييزه فحمل على أوّل عدد حاله ذلك فإن جررت الدّرهم ، فقد حمله النحويّون وأصحاب الرأي على ( مائة )
--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 2 / 173 ) . ( 2 ) انظر الفصول ( ص 244 ) .